كيفة هي أهم مدن وسط جنوب موريتانيا وعاصمة ولاية لعصابة. تقع المدينة، التي يقارب عدد سكانها 60.000 نسمة، على الحافة الغربية لمنخفض آوكار، وظلّت لعقود إحدى محطات رالي باريس–دكار التاريخي. تشتهر كيفة قبل كل شيء بحرفها التقليدية، وفي مقدمتها فنّ صناعة الزجاج: فهذا النوع من الإنتاج الزجاجي، الفريد من نوعه عالمياً، موثّق في المنطقة منذ القرن التاسع الميلادي. وتحظى خرزات الزجاج متعددة الألوان والغنية بالزخارف، المعروفة دولياً باسم Kiffa beads، بشهرة واسعة، ولا يزال عدد من الحرفيين ينتجونها يدوياً حتى اليوم. ويستحق مسجد المدينة بدوره الزيارة. وعلى مقربة من كيفة تمتد جبال أفلّه، حيث أُعيد اكتشاف تمساح غرب إفريقيا في تسعينيات القرن الماضي بعد أن اعتُبر منقرضاً لعقود، كما بقيت فيها مجموعة صغيرة من الفيلة حتى ثمانينيات القرن العشرين. تشكّل كيفة محطة أساسية في جولات جنوب موريتانيا: فالقادم من عيون العتروس يتوقف في فم الشرات على بعد 70 كلم شرق المدينة لزيارة تامورت بوگاري، وإن رغب، كلتة متروشة. أما المبيت فيكون إما في نُزل داخل كيفة أو في مخيم ليلي في موقع جميل خارجها. وهل تعلم؟ عبد الرحمن سيساكو، أشهر المخرجين الموريتانيين وأكثرهم حصداً للجوائز، وُلد في كيفة سنة 1961.
🇲🇷 موريتانيا
كيفة
أبرز المعالم
أوداغست
أوداغست، وتُكتب أيضاً أودغشت، هي مملكة صنهاجية قامت في وسط موريتانيا الحالية، وتوجد أطلالها اليوم ضمن ولاية الحوض الغربي (أوكار قديماً). وأول نص تاريخي يذكرها هو نص اليعقوبي، الذي أشار إلى أن أوداغست كانت عاصمة لبلاد أنبية، وهو مصطلح يدل على تحالف قبائل صنهاجة الصحراء. وقد تزامنت فترة ظهورها مع ميلاد ممالك ودول أخرى في أنحاء الصحراء الكبرى، مثل إمارة سجلماسة وإمارة تاهرت وإمبراطورية غانا الوثنية. وكان نظام الحكم في المملكة ملكياً وراثياً، تعاقب عليه ثلاثون ملكاً من قبيلة لمتونة، أشهرهم تيلوكاكين (تلاكاكين)، أول من مَلَك على أوداغست والمعروف بفتوحاته العديدة، وابنه تيلوتن الذي عاصر صقر قريش الأموي عبد الرحمن الداخل. ثم أدت العوامل الداخلية، كالصراع على الحكم، والخارجية، كتحالفات الممالك المناوئة، إلى إضعاف المملكة، حتى صار ملوك غانة يتركون المدينة لفترة تحت سلطة أمير تابع لهم أو مجلس من أعيانها، بعدما كانت قروناً مقراً لمملكة صنهاجة التي كانت غانة نفسها خاضعة لسلطانها. وفي عام 1055م آلت أوداغست إلى دولة المرابطين. ويذهب بعض الباحثين إلى أن الدولة المرابطية، في طوريها الصحراوي (يحيى وأبو بكر ابنا عمر) والمغربي (يوسف بن تاشفين وأولاده)، دولة صنهاجية صميمة ينتهي نسب جميع أمرائها إلى بيت تلاكاكين، أول ملوك أوداغست.
تامشكط
تامشكط مدينة العلم والعلماء والأدباء والفقهاء وحملة الرأي والمثقفين. تأسست في عشرينيات القرن الماضي على إثر القاعدة العسكرية الفرنسية التي أقيمت في تلك المنطقة، وهي اليوم إحدى مقاطعات ولاية الحوض الغربي التي عاصمتها لعيون، وتضم بلديات: الراظي، وتامشكط، والصفا، وقاعت التيدوم، والمبروك. تربّعت المقاطعة بين تلال أوكار الذهبية وجبال أفله، وعلى أنقاض مدينتي النوداش وأودغشت وأديم مملكة غانا، حيث بطولات الفاتحين. ولم تقبل تامشكط، رغم بُعدها وعزلتها والهجرة السكانية الكبيرة التي شهدتها، أن تكون في مؤخرة ركب مقاطعات البلاد، بل ظلت حاضرة في مشاهد الدولة الموريتانية بعطاءاتها الدينية والثقافية والسياسية، وبالأدوار البارزة لأبنائها البررة الذين شارك بعضهم في تأسيس النواة الأولى للبلد. وتُعدّ المقاطعة رعوية وزراعية بامتياز لكثرة سهولها ومراعيها الخصبة. وهي اليوم مقاطعة لا بأس بها من حيث الخدمات الضرورية، كما أسهم «طريق أزرافيه – تامشكط» في فك عزلتها، وسيعمل على تثبيت السكان وتغيير الكثير من مناحي حياتهم.
قلتة متروشة
قلتة متروشة واحدة من الأماكن النادرة في موريتانيا التي ما تزال تعيش فيها تماسيح غرب إفريقيا. فقد ظلت هذه التماسيح تُعدّ منقرضة في البلاد طوال عقود، ولم يُعَد اكتشافها إلا سنة 1999، ويُقدَّر اليوم أن نحو ثلاثين فرداً فقط تعيش في عموم موريتانيا. وعلى بعد 70 كلم شرق مدينة كيفة تقع قرية فم الشرات، التي يتحول قربها «تامورت بوگاري» كل عام بعد موسم الأمطار إلى بحيرة ونظام بيئي قائم بذاته؛ ومنها تبعد قلتة متروشة نحو خمسة كيلومترات على مسلك ترابي. وخلافاً لكثير من القلتات التي لا تمتلئ إلا في موسم الأمطار، لا تنضب متروشة أبداً لأنها تتغذى كذلك من منابع محلية، وهو ما يتيح، مع محيطها الصخري، تنوعاً حيوياً كاملاً. فإلى جانب التماسيح، تضم قوارض نادرة مثل «گندي السنغال»، وحلزونات، وابن آوى، وأعداداً كبيرة من قردة البابون، بل وأنواعاً من الأسماك بفضل استمرار المياه فيها طوال السنة. كما تُستخدم القلتة خزاناً لمياه الشرب لقطعان الإبل والماشية. والتماسيح كائنات خجولة تختفي في الماء بمجرد اقتراب الإنسان، لذا يُنصح بمراقبة القلتة من هضبة صخرية مرتفعة.
Tamourt Bougari تامورت بوگاري
تامورت بوگاري منطقة رطبة واسعة ومستنقع موسمي (تامورت) تقع في ولاية لعصابة، قرب قرية أفام لخذيرات. وهذا الحوض الطبيعي، المتجذّر في الديناميات الجغرافية والتاريخية للجنوب الموريتاني، يمتلئ بعد موسم الأمطار، وقد شكّل تاريخياً نقطة ماء حيوية لقطعان الإبل والماشية. ويتميّز الحوض بانتشار أشجار الطلح (الصمغ العربي)، فيما يندرج استيطان المنطقة ضمن الهجرات الكبرى التي صاغت الجنوب الغربي الصحراوي بين التأثيرات البربرية (صنهاجة) والموجات العربية (بنو حسان). ولا يمكن فصل الموقع عن قلتة متروشة الواقعة على نحو خمسة كيلومترات منه عبر مسلك ترابي: فالقلتة تغذّي تامورت بوگاري بالأسماك بشكل غير مباشر أثناء الفيضانات، وتؤوي واحدة من المجموعات النادرة لتماسيح غرب إفريقيا في البلاد. وعلى غرار تاريخ المنطقة عموماً، ظلّت المجالات الرعوية في تكانت ولعصابة المحيطة أراضي عبور للقبائل الرحّل، فأسهمت في تشكيل التاريخ الثقافي والاقتصادي لموريتانيا.
كرو
تقع مدينة كرو (قرو) في ولاية لعصابه، على بعد 50 كلم غرب مدينة كيفه، على محور "طريق الأمل" الرابط بين نواكشوط وشرق البلاد، وتُعدّ بوابة الشرق الموريتاني ومحطة استراحة محورية لرحلات السفاري نحو عمق الصحراء. تحتضن المقاطعة أكبر واحات النخيل في شرق البلاد، موزعة على مناطق التقديون وجوك وكامور، مما يجعلها وجهة مثالية لعشاق سياحة الواحات. وفي موسم الكيطنة تنبض المدينة بالحياة، حيث يتوافد الزوار للاستمتاع بالأجواء المعتدلة وتناول التمور الطازجة وسط الأودية والسهول والهضاب الخلابة. وتزخر المنطقة بمجاري مياه عذبة طبيعية مثل إريجي والغايرة كيطارة واعوينت لحبارة، التي تستقطب الطيور المهاجرة ومحبي التخييم في الطبيعة البكر. ثقافياً، عُرفت كرو كمركز إشعاع علمي ومحضري وصوفي رائد ساهم في نشر الثقافة الشنقيطية عالمياً، ومنها ينحدر علماء بارزون كالعلامة محمد الأمين الشنقيطي. ويكتشف الزائر فيها نمط الحياة البدوية الأصيلة وكرم الضيافة المحلي.
كنكوصة
تُعدّ كنكوصة، الواقعة في ولاية لعصابه، من أبرز وجهات السياحة البيئية والداخلية في موريتانيا، بفضل بحيرتها الشهيرة ذات المياه العذبة الدائمة التي تحوّل المنطقة إلى واحة غنّاء وسط الطبيعة الصحراوية. تمثل البحيرة شريان الحياة وجسر الجمال الممتد في المنطقة، حيث يستمتع الزوار بجولات الزوارق التقليدية والمجاديف بين الضفتين، وبمشاهد الغروب الآسرة التي تمتزج فيها الخضرة بالمياه. وفي موسم الخريف (الكيطنة) تبلغ الحركة السياحية ذروتها، إذ تكتسي المنطقة حلّة خضراء بديعة، وتستقبل واحات النخيل ومناطق الاستجمام العائلات القادمة للراحة، وسط تنوع تضاريسي فريد يجمع الكثبان الرملية الذهبية والهضاب والوديان القريبة. ويكتشف الزائر هنا نمط الحياة الريفية التقليدية وكرم ضيافة السكان المحليين. وبفضل موقعها المتوسط في الولاية، تشكّل كنكوصة نقطة انطلاق ممتازة لاستكشاف معالم أخرى مثل سلسلة جبال أفله.
امبود (كوركول) — سد فم لغليطة وحقول الجنوب على ضفاف النهر
امبود بلدة حضرية في جنوب موريتانيا بولاية كوركول، وهي العاصمة الإدارية لمقاطعة امبود، من أكبر مقاطعات الولاية ديمغرافياً. تقع في الجزء الجنوبي من الولاية على بعد نحو 100 كيلومتر من كيهيدي، ويحدّها شمالاً مقاطعة كيهيدي، وشرقاً مقاطعة مونكل، وجنوباً نهر السنغال، وغرباً مقاطعة مقامه. أُنشئت مدينةً رسمياً بموجب مرسوم حكومي في 20 أكتوبر 1987، ويبلغ عدد سكان المقاطعة نحو 132.465 نسمة وفق التعداد العام للسكان والمساكن 2023–2024، وهو ما يمنحها الكثافة السكانية الأعلى في الولاية. يقوم اقتصادها على ثروات طبيعية ومائية متميزة: الزراعة أولاً، مطرية وفيضية، بفضل خصوبة الأراضي والقرب من النهر؛ ثم المنشآت المائية وفي مقدمتها سد فم لغليطة، أحد أكبر سدود موريتانيا، الذي يدعم الري والزراعة على نطاق واسع؛ وأخيراً تربية الأبقار والأغنام التي تسهم في الأمن الغذائي للسكان. ونظراً لهشاشتها البيئية وتعرّضها التاريخي للسيول، استفادت المقاطعة من برامج استعجالية بغلاف يقارب 13 مليار أوقية قديمة لتطوير البنى التحتية وشبكات المياه والخدمات التعليمية والصحية. أما سياحياً فتقدّم امبود وجهاً نادراً في موريتانيا: بحيرة سد فم لغليطة ومساحاتها المائية التي تجتذب الطيور والصيادين، وحقول الفيضة الخضراء على ضفاف الوادي، وقرى ريفية تعيش على إيقاع الموسم الزراعي، ومزيج ثقافي بين مكونات الجنوب يظهر في الأسواق والموسيقى والمطبخ.
لبحير (لعصابه) — عروس آفطوط وبحيرتها الطبيعية
لبحير بلدة وبلدية موريتانية في مقاطعة باركيول بولاية لعصابه، جنوب وسط البلاد، وتتبع إدارياً مركز لعويسي. تقع ضمن منطقة «آفطوط» التاريخية، وتُلقّب بـ«عروس آفطوط» لما يجتمع فيها من مشاهد نادراً ما تلتقي في مكان واحد: جزر كثبانية ذهبية تتداخل مع الهضاب والأودية الخضراء، فتبدو الأرض وكأنها تجمع الصحراء والساحل الإفريقي في لوحة واحدة. وعنوانها الأول بحيرة لبحير، وهي بحيرة سطحية طبيعية خلابة تُعدّ من أبرز الوجهات السياحية في الولاية، خصوصاً في فصل الخريف حين يرتفع منسوبها وتخضرّ ضفافها وتتحول إلى ملتقى للناس والقطعان والطيور. وهي في الآن نفسه شريان الحياة للسكان: منها تُسقى المواشي، وفيها يُمارَس الصيد التقليدي للأسماك، وحولها تنتشر زراعة الخضروات والواحات. غير أن البحيرة تواجه خطراً بيئياً حقيقياً بسبب زحف الرمال، وهو ما دفع البلدية إلى مطالبة الحكومة بتعميقها وتثبيت التربة حولها تفادياً لجفافها. وتضم البلدية عدة منشآت خدمية أساسية، من بينها مدرسة لبحير الابتدائية وثانوية لبحير ومركز صحي محلي. للزائر: مشي على ضفاف البحيرة، ورصد الطيور، وصعود الكثبان لإطلالة على الوادي، ولقاء أهل مكان يعرف قيمة مائه.
صوفة (العصابة) — قرية المطر بين هضاب العصابة وسهولها
صوفة منطقة ريفية في وسط موريتانيا وجنوبها، يرد اسمها غالباً في نشرات رصد الأمطار والتساقطات الموسمية، وهو ما يقول شيئاً عن هويتها: مكان تقاس حياته بالمطر. تُذكر تاريخياً ضمن مجال ولاية العصابة والمناطق المحاذية لها في كوركول ولبراكنة، حيث تلتقي ثلاث بيئات في مساحة ضيقة. فولاية العصابة تتميز جغرافياً بسلسلة هضابها الصخرية الوعرة وممراتها الجبلية التي تفصل بين السهول الخصبة مثل منطقة الرقيبة والمنخفضات مثل آفطوط؛ وهذه الممرات والمرتفعات الضيقة يسميها الأهالي «مضيق» أو «فم» أو «مرتفع»، ومن أشهرها مرتفع جوك. وفي هذا الإطار تُفهم صوفة: نقطة في بلاد يحدد فيها الجريان الموسمي مواضع الزرع والرعي، وتتحول فيها السهول بعد المطر إلى مراعٍ تجتذب القطعان من كل جهة. وتزخر الولاية بمعالم طبيعية تستحق الجولة: واحات النخيل الممتدة بين المنحدرات الصخرية مثل واحة رأس الفيل وكامور، والبحيرات السطحية كبحيرة كنكوصة التي تشق المدينة وبحيرة لبحير. زيارة صوفة إذن ليست زيارة معلم مفرد بل مدخل إلى قلب العصابة: ممرات جبلية، وسهول تخضرّ، وقرى تعيش على إيقاع الموسم.